القرطبي
50
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بالقراءة يوم اليمامة في زمن الصديق رضي الله عنه ، وقتل منهم في ذلك اليوم فيما قيل سبعمائة ، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القران مخافة ان يموت أشياخ القراء ، كأبي وابن مسعود وزيد ، فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك ، فجمعه غير مرتب السور ، بعد تعب شديد ، رضي الله عنه . روى البخاري عن زيد بن ثابت قال : ارسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر ، فقال أبو بكر : ان عمر اتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس ، وانى أخشى ان يستحر القتل بالقراء في المواطن ، فيذهب كثير من القران الا ان تجمعوه ، واني لأرى ان تجمع القران ، قال أبو بكر : فقلت لعمر كيف افعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : هو والله خير ، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري ، ورأيت الذي رأى عمر . قال زيد : وعنده عمر جالس لا يتكلم ، فقال لي أبو بكر : انك رجل شاب عاقل ولا نتهمك ، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتتبع القران ، فأجمعه ، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما امرني به من جمع القران ، قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : هو الله خير ، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فقمت فتتبعت القران أجمعه من الرقاع والأكتاف ( 1 ) والعسب ( 2 ) وصدور الرجال ، حتى وجدت من سورة " التوبة " آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى اخرها . فكانت الصحف التي جمع فيها القران عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بن عمر . وقال الليث حدثني عبد الرحمن ابن غالب عن ابن شهاب وقال : مع أبي خزيمة الأنصاري . وقال أبو ثابت حدثنا إبراهيم وقال : مع خزيمة أو أبي خزيمة " فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم " .
--> ( 1 ) الأكتاف : جمع كتف وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم . ( 2 ) العسب : جمع عسيب وهو جريد النخل إذا نزع منه خوصه .